نخبة من الأكاديميين
839
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أحجامها بين أعالي الأودية ومصباتها ، كما أن البيروني يؤكد في كل الأحوال على أن كل ذلك يحتاج إلى « أزمان مديدة غير مضبوطة الكمية ، وتحت تغايير غير معلومة الكيفية » ، ويبين بشكل دقيق أثر عمليات التعرية وعواملها في بناء التضاريس في مكان وهدمها في مكان آخر بما يحقق الفكرة التي روّج لها وهي انتقال العمارة من مكان إلى آخر . 3 - الشيخ الرئيس أبو علي الحسين ابن سينا « 1 » : اشتهر ابن سينا بأبحاثه الفلسفية والطبية ، غير أن شهرته في الأبحاث الطبيعية لا تقل شأناً عن حذقه في الفلسفة والطب ، ويدل على ذلك إشارات الجيمورفولوجيين المحدثين إليه في معظم كتاباتهم عن تاريخ ذلك العلم ، ويعود ذلك إلى آرائه المتقدمة في الجيمورفولوجية ، تلك الآراء التي كانت من الأسس التي اعتمدت عليها إحدى النظريات المهمة في عصرنا الحاضر وهي نظرية زحزحة القارات . يقول ابن سينا : « ونحن نعلم بأقوى حدس أن ناحية الشمال كانت مغمورة بالماء حتى تولدت الجبال ، والآن فإن البحار جنوبية ، فالبحار منتقلة ، وليس يجب أن يكون سبب انتقالها محدوداً ، بل يجوز فيه وجوه كثيرة ، بعضها يؤذن بانقطاع العمارة فيشبه أن تكون في العالم قيامات تتوالى في سنين لا تضبط تواريخها » ( « 2 » ) . ومن الواضح أن فجنر Wegner في نظريته الخاصة عن « زحزحة القارات » يتفق مع ابن سينا في فرضه الأول القائل إن الكتلة القارية القديمة ( بنجايا Pangaea ) كانت موجودة في نصف الكرة الجنوبي ، وأن النصف الشمالي كان مغموراً بالماء ، واختلف الاثنان في طبيعة الحركة التي أدت بتلك الكتلة إلى ما هي عليه الآن في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ، فرأى فجنر أن ذلك يرجع إلى انتقال اليابس نفسه أو زحزحته إلى الشمال ، وخصوصاً المعمور القديم المعروف في زمن ابن سينا . وكانت هناك زحزحة نحو الغرب يمثلها انفصال الأمريكتين عن جسم الكتلة وحركتها نحو الغرب . ويرى فجنر أن القوى التي سببت الحركة هي قوى الجذب التفاضلية ( Differntial Gravitation Forces ) « 3 » أما ابن سينا فيعتقد أن ذلك يرجع إلى انتقال الماء أو البحار من جهة إلى أخرى ، ويعزو ذلك إلى حدوث ما أسماه « الطوفان » وهو غلبة أحد العناصر الأربعة على الربع المعمور كله أو بعضه أو كون أحد العناصر غالباً بهذه الصفة ، على حسب ما يرى أهل اللغة استعماله عليه ، والأعرف عند الجمهور من أمر الطوفانات هو ما كان من الماء ، وكأن هذا الاسم إنما وضع لهذا المعنى . ويرى ابن سينا « أن الطوفانات ترجع إلى أسباب فلكية وهي اجتماعات من الكواكب على هيئة من الهيئات توجب تغليب أحد العناصر في المعمورة ، قد عاونتها أسباب أرضية واستعدادات عنصرية . فالمائية منها قد تقع من انتقالات البخار على صقع كبير دفعة ، لأسباب عظيمة مفرطة تقع للهواء إلى المائية . والنارية تعرض من انتقالات الرياح العاصفة ، وهذه أشد انتشاراً ، والأرضية تعرض لسيلان
--> ( 1 ) ولد أبو علي الحسين بن عبد الله ابن سينا عام 370 ه - / 980 م في إحدى قرى بخارى القريبة من بلخ ، ونشأ وتعلم في بخارى ، وقام برحلات واسعة واكتسب فيها الكثير من العلوم ، وذاعت شهرته ، وقد تقلد الوزارة في همذان ، ثم ثار عليه العسكر ونهبوا بيته فغادرها إلى أصفهان وبها صنف أكثر كتبه ، وعاد في أواخر أيامه إلى همذان ، ومات بها عام 427 ه - / 1037 م . ( 2 ) ابن سينا ، الحسين بن عبد الله : كتاب الشفاء المعادن والآثار العلوية ، القاهرة 1965 م ، ص 76 . ( 3 ) Wooldridge . S . W . and Morgan , R . S . ) 2691 ( : An Outline Geomorphology , London , p . 93 .